عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

359

اللباب في علوم الكتاب

تعالى : « وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ » ، وأنّ الأنظار الثلاثة منسوقة بعضها على بعض ، فصل بينها بهذا الجارّ ؛ لأنّ النظر الثالث من تمام الثاني ، فلذلك لم تجعل هذه العلة فاصلة معترضة . وهذه اللام لام كي ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » وهي وما بعدها من الفعل في محلّ جرّ على ما سبق بيانه غير مرة . و « آية » مفعول ثان ؛ لأنّ الجعل هنا بمعنى : التصيير . و « للنّاس » صفة لآية ، و « أل » في الناس ، قيل : للعهد ، إن عنى بهم بقية قومه ، وقيل : للجنس ، إن عنى بهم جميع بني آدم ] . قوله « وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ » . أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام حماره ، وقال آخرون : أراد بها عظام الرجل نفسه ، قالوا : إنّ اللّه أحيا رأسه وعينيه ، وكانت بقية بدنه ، عظاما نخرة ، فكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع ، وينضمّ بعضها إلى بعض وكان يرى حماره واقفا كما ربطه حين كان حيّا لم يأكل ، ولم يشرب مائة عام ، وتقدير الكلام على هذا الوجه وانظر إلى عظامك ؛ وهو قول قتادة ، والرّبيع ، وابن زيد ، وضعّف ذلك بوجوه : منها : أنّ قوله « لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » إنما يليق بمن لا يرى أثر التغير في نفسه ، فيظن أنه كان نائما في بعض يوم ، وأمّا من شاهد بعض أجزاء بدنه متفرقة ، وعظامه رميمة نخرة ، فلا يليق به ذلك . ومنها أنه خاطبه ، وأجاب ، والمجيب ، هو الذي أماته اللّه ، فإذا كانت الإماتة راجعة إلى كله ، فالمجيب - أيضا - الذي بعثه اللّه ، يجب أن يكون جملة الشّخص . ومنها أنّ قوله - تعالى - « فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ » يدلّ على أنّ تلك الجملة أحياها ، وبعثها . قوله : « كيف » منصوب نصب الأحوال ، والعامل فيها « ننشزها » وصاحب الحال الضمير المنصوب في « ننشزها » ، ولا يعمل في هذا الحال « انظر » إذ الاستفهام له صدر الكلام ، فلا يعمل فيه ما قبله ، هذا هو القول في هذه المسألة ، ونظائرها . وقال أبو البقاء « 1 » : « كيف ننشزها » في موضع الحال من « العظام » ، والعامل في « كيف » ننشزها ، ولا يجوز أن يعمل فيها « انظر » لأنّ هذه جملة استفهام ، والاستفهام لا يقع حالا ، وإنما الذي يقع حالا « كيف » ، ولذلك تبدل منه الحال بإعادة حرف الاستفهام ، نحو : « كيف ضربت زيدا ؛ أقائما أم قاعدا » ؟ والذي يقتضيه النظر الصحيح في هذه المسألة ، وأمثالها : أن تكون جملة « كيف ننشزها » بدلا من « العظام » فيكون في محلّ جرّ أو محلّ نصب ، وذلك أنّ « نظر » البصرية

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 110 .